
الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الامين …… وبعد :
فان اللغة العربية قد بقيت مقاومةً لمحاولات الطمس والإماتة التي تراد لها، الأمر الذي أهّلها أن تبقى حيّة منتشرة، مقارنة بكثير من اللغات التي اندرست واندثرت او انحصر استخدامها على نطاق ضيق جداً ، ولعل اهم اسباب ذلك ارتباطها بالإسلام والقرآن ، إضافة إلى كونها غنية جداً بالمفردات التي قلّ أن توجد في لغة أخرى، كما أنها استطاعت أن تستوعب كل جديد وحديث مع المحافظة على نقائها من الدخيل والغريب .
اقول : إحدى مظاهر الحروب الثقافية التي تواجهنا اليوم هي مشكلة لغتنا العربية مع التقنيات الحديثة المتمثلة بوسائل التواصل الاجتماعي ، فرحى هذا الحرب تدور حول مدى تأثر اللغة العربية وتأثيرها في مواقع التواصل الاجتماعي مثل فيسبوك وتويتر وغيرها من الوسائل الاخرى .
إن معرفة حال اللغة العربية في وسط هذه الحرب الدائرة مع مواقع التواصل الاجتماعي سلباً وإيجاباً لها أهمية كبيرة ؛ نظراً للأعداد الكبيرة من متابعي هذه المواقع، حيث أصبحت أعداد المشتركين تحسب بمئات الملايين من الأشخاص بعدما كانت بالآلاف خصوصاً مع المواقع الشهيرة كفيسبوك، وتويتر وإنستغرام ، حيث يستطيع هؤلاء الأشخاص أن يتواصلوا فيما بينهم عن طريق تبادل المعلومات بمختلف صورها وأشكالها وبشكل آني ، إضافة إلى المؤسسات سواء التابعة للقطاع الحكومي أو الخاص ، ولعل أهم إيجابية لهذه المواقع أن عدداً من منصات التواصل الاجتماعي دعمت اللغة العربية، وهذا أدى إلى تواجد كبير للمحتوى العربي على الإنترنت عموماً وإن كانت جودة المحتوى لا تزال ضعيفة. ولا شك أن دعم منصات التواصل الاجتماعي للغة ما سواء كانت العربية أو غيرها ليس حباً في اللغة أو أهلها بقدر ما هو كسب لمزيد من المتابعين والمشتركين والذي يؤدي في الأخير إلى زيادة الأرباح المادية. ومع ذلك فلا مانع أن يستفيد الناطقون بالعربية من هذا الدعم وأن يسخروه في المزيد من الحضور على الإنترنت. وعلى الرغم من هذه الايجابية على حد قولنا الا انها لا تخلو من سلبيات ، كعدم اكتراث
المشتركين بهذه المواقع من وقوعهم في الأخطاء اللغوية سواء كانت نحوية أو إملائية. وليس مقصودنا تلك الأخطاء اللغوية التي قد لا يستطيع أن يتجنبها إلا المتخصص في اللغة، ولكن حديثنا عن الأخطاء التي تدل على عدم الإلمام بأبجديات العربية ، مثل عدم التفريق في الاستعمال بين بعض الحروف التي قد تتشابه في الظاهر وتختلف في الوظيفة مثل عدم التمييز بين التاء المربوطة والهاء، وبين التاء المربوطة والتاء المفتوحة، وبين الألف الممدودة والألف المقصورة، وبين الضاد والظاء وهذه أمثلة على الأخطاء الإملائية، ومما يدخل في عدم الاكتراث بالأخطاء اللغوية نطق الكلمات خطأ خصوصاً مع انتشار ظاهرة الكتب الصوتية وهي ظاهرة حسنة ، ولكن الإشكال فيها هو قراءة الكثير من كلمات الكتاب بشكل خاطئ نظراً لأن الكلمات غير مشكولة في الكتاب المقروء، الأمر الذي يجعل القارئ لا يعرف الصواب في نطقها، فيجتهد في نطقها سواء كان على صوابا او خطاء ، إن مجرد التحذير من سلبيات مواقع التواصل الاجتماعي على اللغة العربية لن يحل المشكلة، فلا بد من حلول ومقترحات تساعد على حل المشكلة، الأمر الذي سيؤدي بإذن الله إلى تعزيز مكانة اللغة العربية في عالم
التواصل الاجتماعي وسيحفظ منزلتها التي تبوأتها ردحاً من الزمن ، ومن هذه الحلول المقترحة ، الاستثمار والوقف في كل ما يتعلق باللغة العربية في عالم التقنية ، ومن ذلك الاستثمار في مجال البرمجيات العربية وتعريب الأنظمة المهمة التي يحتاجها الأفراد والمؤسسات، ومن ذلك أيضاً الوقف على خدمة اللغة العربية في مواقع التواصل الاجتماعي ، اضافة الى تطبيق اللوائح الرسمية والتي تنص أغلبها على أن اللغة العربية هي اللغة الرسمية في كل المجالات، والأحسن هو عدم الاكتفاء بسن التشريعات التي تلزم الناس باستعمال اللغة العربية بل الواجب تطبيقها على أرض الواقع ، إيجاد برامج عملية ، كعقد الدورات التدريبية: فالمشاهَد اليوم هو عقد دورات لتعليم الإنجليزية أو الحاسب الآلي أو تنمية الشخصية، وتكاد تنعدم الدورات التدريبية لتعليم اللغة العربية، ومثل هذه الدورات يحتاجها غير الناطقين بالعربية إضافة إلى أعداد كبيرة من الناطقين بها نظراً لقلة تمكنهم في لغتهم الأم خصوصاً إذا كانت مِهَنُهم تستلزم نوع اهتمام باللغة كما هو الحال مع الإعلاميين، والصحفيين، وكذلك المشاهير في مواقع التواصل الاجتماعي، وكذلك الاستفادة من تجارب الآخرين من غير العرب: لا يخفى على ذي لب أن
اللغة تعتبر ركيزة أساسية لهوية أي أمة من الأمم ، ناهيك عن إجراء المسابقات في مواقع التواصل الاجتماعي: مثل مسابقة أفضل محتوى عربي، ومسابقة أفدح خطأ لغوي، وهذه على سبيل التمثيل لا الحصر، ضبط حسابات المشاهير: أفرز لنا عصر شبكات التواصل الاجتماعي أعداداً كبيرةً ممن يوصفون بالمشاهير، وبغض النظر عن طبيعة شهرتهم، فإن تأثيرهم يكمن في الملايين من متابعيهم، الأمر الذي يجعل فئاماً كثيرةً من الناس يتشربون الأخطاء اللغوية التي قد تصدر من هذا المشهور أو ذاك، والعكس بالعكس، فلو استطعنا تقويم لسان ذلك المشهور لتشرّبت تلك الملايين من المتابعين اللسانَ العربي القويم، وعليه فالمقترح تنقيح مشاركات وتغريدات المشاهير من الناحية اللغوية حتى لا يتشرب متابعوهم أخطاءهم من حيث لا يشعرون. وعملية التنقيح هذه يمكن أن تتم عن طريق عامل بشري يكلّف بالمهمة أو برنامج حاسوبي يتولى الأمر بعد فحصه والتأكد أن تدقيقه اللغوي صحيح بنسبة عالية، وفي الختام ، فإن اللغة العربية باقية ببقاء القرآن، وقد تكفّل الله تعالى بحفظ القرآن: {إنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإنَّا لَهُ لَـحَافِظُونَ} [الحجر: ٩]، فالمسلم الغيور على دينه وقرآنه يكون له الشرف والكرامة في خدمة هذه اللغة
العظيمة ، واخر دعوانا ان الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبيه الامين .
