يُعَدُّ الإِرْشادُ مَجالًا عَميقًا وَواسِعَ الأُفُقِ، يَهْدِفُ إِلَى تَوْجِيهِ الفَرْدِ وَتَقْوِيمِ سُلُوكِهِ وَتَنْظِيمِ طاقَتِهِ، لِيَكُونَ عُنْصُرًا صالِحًا فِي نَفْسِهِ وَمُفيدًا لِمُجْتَمَعِهِ. فَالإِرْشادُ لَيْسَ مَهْمُومًا بِحَلِّ الأَزَماتِ وَالمَشاكِلِ فَقَطْ، بَلْ هُوَ عَمَلِيَّةٌ تَرْبَوِيَّةٌ وَوِقائِيَّةٌ وَتَنْمَوِيَّةٌ تَبْدَأُ مَعَ الإِنْسانِ مُنْذُ نُشْأَتِهِ وَتَسْتَمِرُّ مَعَهُ طُولَ حَياتِهِ، فَتُساعِدُهُ عَلَى التَّكَيُّفِ مَعَ نَفْسِهِ وَمَعَ غَيْرِهِ، وَتُزَوِّدُهُ بِالمَهاراتِ الَّتي تُمَكِّنُهُ مِنْ مُواجَهَةِ التَّحَدِّياتِ وَتَحْقِيقِ أَهْدافِهِ. وَقَدْ جَعَلَ القُرْآنُ الكَرِيمُ مَبْدَأَ الإِرْشادِ وَالتَّوْجِيهِ رُكْنًا أَساسِيًّا فِي بِنَاءِ الشَّخْصِيَّةِ وَإِصْلاحِ المُجْتَمَعِ، فَقالَ سُبْحانَهُ: ﴿ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُم بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ [النحل: 125]، وَهَذِهِ الآيَةُ تَضَعُ أُسُسَ الإِرْشادِ القائِمِ عَلَى الرِّفْقِ وَالحِكْمَةِ وَالحِوارِ الْبَنّاءِ. وَإِذَا نَظَرْنا إِلَى أَثَرِ الإِرْشادِ عَلَى الفَرْدِ وَجَدْناهُ يُساعِدُهُ عَلَى تَنْظِيمِ أَوْقاتِهِ وَالتِزامِهِ بِمَسْؤولِيّاتِهِ، وَيُعَلِّمُهُ كَيْفَ يُدِيرُ نَفْسَهُ وَيَضْبِطُ انْفِعالاتِهِ، فَيَتَخَلَّصُ مِنَ التَّوَتُّرِ وَالغَضَبِ وَالسُّلُوكاتِ السَّلْبِيَّةِ، وَيَسْتَبْدِلُهَا بِالصَّبْرِ وَالحِلْمِ وَالتَّعَبِيرِ الرَّشِيدِ. وَقَدْ أَكَّدَ النَّبِيُّ ﷺ عَلَى هَذَا فِي قَوْلِهِ: «لَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرَعَةِ، إِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الغَضَبِ» [متفق عليه]، فَالإِرْشادُ يُعَلِّمُ الفَرْدَ أَنْ يَتَحَكَّمَ فِي نَفْسِهِ وَيُوَجِّهَ طاقَتَهُ لِطُرُقٍ بَنّاءَةٍ. وَمِنْ هُنا يَكْتَسِبُ الفَرْدُ ثِقَةً أَكْبَرَ بِنَفْسِهِ وَقُدْرَةً عَلَى الإِبْداعِ وَاتِّخاذِ القَرارِ، فَيُصْبِحُ شَخْصًا فاعِلًا فِي أُسْرَتِهِ وَمَجْتَمَعِهِ. ومن ناحية أخرى فالإِرْشادُ يُؤَدِّي دَوْرًا مُهِمًّا فِي تَقْوِيَةِ العَلاقاتِ الاجْتِماعِيَّةِ، فَيُعَلِّمُ الفَرْدَ قِيمَ التَّعاوُنِ وَالمُساعَدَةِ وَالتَّسامُحِ وَقَبُولَ الآخَرِ، وَيُبْعِدُهُ عَنِ العُزْلَةِ وَالتَّنَمُّرِ وَالعُنْفِ. وَهَكَذا يُسْهِمُ فِي صِناعَةِ شَبابٍ نَشِطٍ قادِرٍ عَلَى التَّواصُلِ وَالإِبْداعِ وَالمُبادَرَةِ. وَقَدْ جَسَّدَ النَّبِيُّ ﷺ هَذِهِ القِيمَ فِي قَوْلِهِ: «المُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِ كَالْبُنْيَانِ يَشُدُّ بَعْضُهُ بَعْضًا» [متفق عليه]، فَالإِرْشادُ يُساعِدُ عَلَى تَجْسِيدِ هَذَا المَبْدَأ فِي الحَياةِ العَمَلِيَّةِ. وَعِنْدَما يَسْتَفِيدُ الأَفْرادُ مِنْ بَرَامِجِ الإِرْشادِ وَتَتَعَزَّزُ سُلُوكاتُهُمُ الإِيجابِيَّةُ، يَنْعَكِسُ ذَلِكَ عَلَى المُجْتَمَعِ كُلِّهِ، فَيُصْبِحُ مُجْتَمَعًا أَمْنِيًّا وَأَخْلاقِيًّا مُتَماسِكًا، تَقِلُّ فِيهِ الجَريمَةُ وَالمُشْكِلاتُ الاجْتِماعِيَّةُ، وَتَزْدَهِرُ فِيهِ قِيمُ التَّضامُنِ وَالمَسْؤولِيَّةِ. وَقَدْ أَكَّدَ القُرْآنُ الكَرِيمُ أَنَّ نَهْضَةَ الأُمَمِ وَاسْتِقْرارَهَا مُرْتَبِطٌ بِتَغْيِيرِ أَفْرادِها لأَنْفُسِهِمْ، فَقَالَ تَعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ﴾ [الرعد: 11]، وَالإِرْشادُ هُوَ الأَدَاةُ الَّتِي تُساهِمُ فِي تَغْيِيرِ مَا بِالأَنْفُسِ، وَمِنْ ثَمَّ تَغْيِيرِ المُجْتَمَعاتِ إِلَى الأَفْضَلِ. وَلا يَتَحَقَّقُ هَذا الأَثَرُ بِمَساعِي الفَرْدِ وَحْدَهُ، بَلْ هُوَ نَتِيجَةٌ لِتَكامُلِ جُهُودِ الأُسْرَةِ وَالمَدْرَسَةِ وَالمُؤَسَّساتِ التَّرْبَوِيَّةِ وَالدِّينِيَّةِ. فَالأُسْرَةُ تُعَدُّ الحاضِنَةَ الأُولى لِغَرْسِ القِيَمِ، وَالمَدْرَسَةُ تُساهِمُ فِي تَعْزِيزِ هَذِهِ القِيَمِ وَتَوْجِيهِ السُّلُوكِ، بَيْنَما تَضَعُ المَراكِزُ الإِرْشادِيَّةُ وَالمُؤَسَّساتُ المَدَنِيَّةُ اللَّبِناتِ الأَخِيرَةَ فِي بِنَاءِ شَخْصِيَّةٍ مُتَكامِلَةٍ قادِرَةٍ عَلَى العَطاءِ وَالإِبْداعِ. وَهَذا يَسْتَلْزِمُ دَعْمَ بَرَامِجِ الإِرْشادِ وَتَفْعِيلَها عَلَى مُسْتَوى جَماعِيٍّ وَمُؤَسَّسِيٍّ، لِتَكُونَ مَنْهَجًا ثابِتًا فِي المَدارِسِ وَالجَامِعاتِ وَالمُجْتَمَعاتِ. وَمِنْ خِلالِ هَذا كُلِّهِ نَسْتَطِيعُ أَنْ نُدْرِكَ أَنَّ الإِرْشادَ لَيْسَ مَرْحَلَةً عابِرَةً وَلَا جُهْدًا مُؤَقَّتًا، بَلْ هُوَ مَسارٌ اسْتِرْاتِيجِيٌّ لِبِنَاءِ الإِنْسانِ وَإِصْلاحِ المُجْتَمَعِ.
فَالفَرْدُ الَّذِي يَتَحَلَّى بِالإِيجابِيَّةِ وَالْأَخْلاقِ وَالمَسْؤولِيَّةِ يُمَثِّلُ قُوَّةً دافِعَةً لِلتَّقَدُّمِ، وَالمُجْتَمَعُ الَّذِي يَضُمُّ أَفْرادًا مِثْلَ هَذا هُوَ مُجْتَمَعٌ آمِنٌ مُسْتَقِرٌّ قادِرٌ عَلَى التَّطَوُّرِ وَالازْدِهارِ. وَمِنْ ثَمَّ، فَإِنَّ تَفْعِيلَ الإِرْشادِ وَإِعْطَاءَهُ المَكانَةَ اللائِقَةَ بِهِ يُعْتَبَرُ ضَرورَةً عَظِيمَةً فِي وَقْتِنا الحاضِرِ لِبِنَاءِ مُجْتَمَعٍ مُتَماسِكٍ، يَجْمَعُ بَيْنَ صَلابَةِ القِيمِ وَحِكْمَةِ التَّعامُلِ وَقُوَّةِ العَطاءِ.
