
تُعَدّ التنمية البشرية من المفاهيم الحديثة التي بدأ استخدامها في المؤسسات العلمية، إذ تُعنى بالعناصر البشرية ومراحل تطورها، لأنها تُشكّل التجمعات الأساسية في المجتمعات المتحضرة، لما تمتلكه من مقومات تؤهلها لتحقيق التنمية الشاملة والمتوازنة ، لذلك فإن بناء المجتمع يتطلّب عناصر فاعلة ومؤثرة، وهم الأفراد الذين ينتمون إليه، ويجب أن يتحلّوا بالعلم والفكر والمهارات التي تمكّنهم من أداء دورهم في الإعمار والبناء والتطور. وهذا ما تتطلّبه التنمية البشرية التي تعتمد على تطوير الإنسان في جميع مكوناته النفسية والعملية والمعرفية ، إلا أنّ هناك عقبات عديدة تحول دون تحقيق التنمية في المجتمع، وفي مقدمتها الضعف المعرفي والتعليمي، الذي يعد من أهم الصعوبات التي تواجه المجتمعات الساعية إلى التطور والتقدم والازدهار. فالتعليم والتعلّم وما ينتج عنهما من خبرات ومعارف وقدرات وإمكانات تؤدي إلى زيادة رأس المال البشري، الذي يمثل الركيزة الأساسية لتحقيق التنمية ، لهذا تُعَدّ المؤسسات التعليمية المختلفة الأساس الذي يُبنى عليه المجتمع، كونها تُنتج الثروة البشرية الكبرى المتحلية بالمعرفة والقدرات والكفاءات المتطورة، التي تسهم بدورها في تطوّر المجتمع في مختلف قطاعاته. ومن هنا، فإنّ المجتمع يعتمد على الأفراد ذوي الكفاءات العلمية في تحقيق التنمية المستدامة، لذا يجب الاهتمام بالكفاءات العلمية وتوفير المستلزمات الضرورية لهم للحفاظ عليهم وتمكينهم من أداء أدوارهم في تطوير المجتمع وتقدّمه ، ومن المعروف أن هجرة العقول والكفاءات تؤدي إلى فشل حركة التطور العلمي، وتتسبب في خسارة فادحة في الثروة البشرية ورأس المال المعرفي. إنّ التنمية البشرية مصطلح حديث نسبياً، شاع استخدامه في العقود الأخيرة من القرن العشرين، وهو يشير إلى عملية مخططة ومتكاملة لمجموعة من الأنشطة الاجتماعية والاقتصادية والعلمية تهدف إلى إحداث تغيير إيجابي يُنقل المجتمع من حالة غير مرغوبة إلى حالة مرغوبة ، وفي مطلع التسعينات أصدرت الأمم المتحدة تقارير التنمية البشرية، التي أكدت أن التنمية تهدف إلى زيادة القدرات المتاحة أمام الأفراد وتوسيع خياراتهم. وهذه الخيارات غير محدودة، إلا أن أهمها يتمثل في ثلاثة مجالات رئيسة: 1. أن يعيش الأفراد حياة طويلة وصحية خالية من الأمراض. 2. أن يكتسبوا المعرفة والعلم. 3. أن يحصلوا على الموارد اللازمة لتحقيق مستوى كريم من المعيشة. والهدف من ذلك هو استثمار جميع الإمكانات البشرية والطاقات المتاحة وتفعيلها وتوظيفها لتحقيق أفضل إنتاج وعطاء على مستوى الأفراد والأسر والمجتمع . اقول : يُعَدّ التعليم أحد أهم مجالات التنمية البشرية، وقد حظي باهتمام كبير في برامج الأمم المتحدة للتنمية، لأنه يمثل الأساس المتين الذي تقوم عليه جميع أشكال التنمية. ويدرك المفكرون والعلماء الدور البارز للتعليم في العملية التنموية للمجتمعات، فهو “المصنع” الذي يُعِدّ رأس المال البشري الذي تعتمد عليه عمليات التنمية في مختلف جوانب الحياة ، وتتعاظم مسؤولية التعليم في بناء رأس مال بشري كفوء ومثقف ومتحضر، إذ لا يمكن تصور تحقيق التنمية في مختلف الجوانب من دون الحفاظ على التوازن البيئي والاعتماد على الذات، من خلال إعطاء الأولوية لاستغلال الموارد المحلية قبل الاعتماد على المعونات الخارجية، والسعي إلى تنمية عادلة تُوزَّع فيها ثمار النمو الاقتصادي بعدالة بين فئات المجتمع ، ومن دون شك ان هذه التنمية العادلة التي يطمح الجميع الى تحقيقها ، لا يمكن ايجادها في مجتمع متأخر في التعليم يعاني تدنّي المستوى العلمي لمواطنيه. وهذا ما تؤكده الإحصاءات التي تثبت أن الفجوة بين مؤشرات التنمية البشرية في الدول النامية والدول الصناعية المتقدمة تزداد لصالح الأخيرة، مما يدل على العلاقة الوثيقة بين تنمية الموارد البشرية ومستويات المعيشة. ومن هنا تظهر أهمية التعليم في تنمية الموارد البشرية، إذ يسهم في رفع المستوى المعيشي، فالقدرات والمهارات المكتسبة من العملية التعليمية تُنتج قيمة مضافة كبيرة تُعدّ من أهم نتائج التنمية البشرية. كما يساعد التعليم على التخلص من السلبيات في الحياة الاجتماعية، ويؤدي دورًا فعّالًا في رعاية الفئات الفقيرة والمحرومة. إنّ نظام التربية والتعليم أساسي في توجيه الأفراد وبنائهم اجتماعيًا بصورة متوازنة، بحيث يؤدي كل فرد دوره الحقيقي في بناء المجتمع المنتج والمفكر. فمن خلال المناهج الدراسية تُكتسب المعارف، وتُصقل الكفاءات، وتُكتشف المواهب، وتتحقق الرفاهية في مختلف مجالات الحياة، وبذلك تتحقق التنمية الشاملة والمستدامة، لذا فالتنمية والتعليم عاملان متكاملان يشترك كلٌّ منهما في تطوير الآخر، لأن كليهما يصبّ في خدمة المجتمع.
فبقدر ما يُخصَّص للتعليم من اهتمام ضمن مجالات التنمية، تنعكس نتائجه على جودة المخرجات التعليمية من كوادر متعلمة ومدربة تساهم في تنشيط حركة التنمية، والعكس صحيح وفي الختام نقول : كي تتحقق التنمية البشرية من خلال العملية التعليمية بما يضمن العدالة الاجتماعية، لا بد من القيام بما يأتي: 1. إقامة المؤتمرات والندوات والمحاضرات التي تُبرز دور العملية التعليمية في التنمية البشرية. 2. تعزيز القيم والعادات الإيجابية في أذهان الأفراد والتخلّص من القيم السلبية والتنبيه إلى خطورتها على المجتمع. 3. فتح مراكز بحوث تربوية وتعليمية تُعنى بتطوير المناهج وربطها بمتطلبات التنمية البشرية. 4. توعية الأفراد من خلال وسائل الإعلام بما ينسجم مع متطلبات التنمية البشرية المستدامة.
