
عندما يقع حادث سير في العراق وينتج عنه وفاة إنسان أو إصابة بدنية أو ضرر بالمال، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو السؤال عن المسؤولية: من يدفع التعويض؟ هل السائق؟ أم صاحب السيارة؟ أم جهة أخرى؟
في الواقع، القانون العراقي لم يترك المتضرر أو عائلة المتوفى في مواجهة مباشرة مع السائق فقط، لأن السائق قد يكون فقيراً أو عاجزاً عن دفع التعويض، ولذلك وضع المشرّع نظاماً خاصاً يسمى التأمين الإلزامي من حوادث السيارات بموجب قانون التأمين الإلزامي من حوادث السيارات العراقي، الكثير في العراق يعتقد أنه لا يوجد تأمين على السيارات، لكن الحقيقة القانونية مختلفة؛ التأمين موجود، لكنه ليس كالتأمين الاختياري المعروف في بعض الدول، هو تأمين مفروض بحكم القانون، أي أن كل سيارة مسجلة في دوائر المرور تعتبر مشمولة بالتأمين تلقائياً، وهذا ما نصت عليه المادة الأولى من القانون، وهنا يبرز سؤال مهم: إذا لم يذهب صاحب السيارة إلى شركة التأمين ويوقّع عقداً، فكيف تكون السيارة مؤمنة؟
الجواب أن القانون ربط تسجيل السيارة أو تجديد تسجيلها بدفع قسط التأمين، فلا تستطيع دائرة المرور إكمال معاملة المركبة إلا بعد استيفاء قسط التأمين الإلزامي، وهذا يعني أن جزءاً من الرسوم التي يدفعها مالك السيارة يدخل ضمن نظام التأمين الإلزامي، فالأموال التي تُدفع منها التعويضات ليست من خزينة الدولة المجانية، بل من أقساط أصحاب السيارات التي تتجمع لدى الجهة المؤمنة، وغالباً تكون شركة التأمين الوطنية أو الجهة المخولة قانوناً، وعند وقوع الحادث، يختلف الوضع بحسب النتيجة، إذا أدى الحادث إلى وفاة شخص، فإن الحق بالتعويض لا ينتهي بوفاته، بل ينتقل إلى ورثته الشرعيين، لأن الضرر لم يصبه وحده، بل أصاب عائلته أيضاً بفقدان المعيل أو الابن أو الزوج، في هذه الحالة يحق للورثة إقامة دعوى تعويض ضد الجهة المؤمنة والمطالبة بحقهم القانوني، أما إذا لم تحصل وفاة، وكانت هناك إصابة بدنية فقط، ككسر أو عاهة أو ضرر جسدي، فإن المصاب نفسه يطالب بالتعويض عن إصابته، ويثبت ذلك بالتقارير الطبية والحكم القضائي، أما إذا كان الضرر مادياً فقط، كتحطم سيارة أو إتلاف مال، فإن التعويض يكون عن قيمة الضرر المادي وفق قواعد المسؤولية المدنية، والتعويض لا يُدفع تلقائياً بمجرد وقوع الحادث، بل لا بد من إجراءات قانونية واضحة، تبدأ هذه الإجراءات بتنظيم محضر رسمي في مركز الشرطة، ثم إحالة القضية إلى المحكمة الجزائية للتحقيق في سبب الحادث والمسؤول عنه، وبعد ذلك تُقام دعوى التعويض، سواء ضمن الدعوى الجزائية أو بدعوى مستقلة، وفي دعوى التعويض، يجب تقديم مستندات مهمة، مثل محضر الحادث، التقرير الطبي إذا كانت إصابة، شهادة الوفاة إذا كانت وفاة، والقسام الشرعي إذا كان المطالبون هم الورثة، وبعد اكتمال هذه الإجراءات، تصدر المحكمة حكمها بمقدار التعويض المستحق، وبعد صدور الحكم، يراجع أصحاب الحق شركة التأمين لاستلام المبلغ، هنا يظهر دور الموظف المختص في شركة التأمين، فهو لا يقرر من نفسه، بل ينفذ الحكم القضائي بعد تدقيق المستندات، لكن القانون وضع مدة قانونية للمطالبة بالتعويض، فإذا كانت السيارة معروفة ومعلومة، فإذا مضت هذه المدة سقط الحق بالتقادم، أما إذا كانت السيارة مجهولة، كما في حالة الهروب من مكان الحادث، فإن القانون شدد أكثر، وأوجب تسجيل الحادث خلال سبعة أيام وإبلاغ المؤمن خلال ثلاثين يوماً، وفي جميع الأحوال لا يجوز تجاوز سنة واحدة، وإلا سقط الحق بالتعويض، وهنا تظهر نقطة مهمة جداً: إذا لم يطالب الورثة أو المصاب خلال المدة القانونية، فإن حقهم لا يبقى مفتوحاً إلى الأبد، بل يسقط قانوناً، أما في حالة أن السائق الذي تسبب بالحادث لا يملك إجازة سوق، فإن البعض يعتقد أن المتضرر لا يستحق التعويض، وهذا غير صحيح. القانون العراقي حمى المتضرر أولاً، فأوجب على شركة التأمين دفع التعويض له أو للورثة، حتى لو كان السائق مخالفاً، لكن بعد دفع التعويض، أعطى القانون لشركة التأمين حق الرجوع على السائق لاسترداد ما دفعته، لأنه خالف القانون بقيادته بلا إجازة، وهذا يعني أن الخسارة النهائية تقع على السائق المخالف، وليس على الضحية، وإذا كان الحادث متعمداً، كأن يقصد السائق إيذاء شخص، فإن شركة التأمين تدفع للمتضرر أيضاً، ثم ترجع على السائق المتعمد، لأن القانون لا يحمي الفعل العمدي، الحكمة من هذا النظام واضحة: حماية الضحية أولاً. فلو ترك القانون الأمر على السائق وحده، قد تضيع حقوق المتضررين إذا كان فقيراً أو هارباً أو غير قادر على الدفع. لذلك جعل شركة التأمين ضامنة للحق أولاً، ثم منحها حق الرجوع على المخالف، وبهذا يتضح أن التعويض عن حوادث السير في العراق ليس منحة ولا مساعدة، بل هو حق قانوني منظم بنصوص واضحة، والضمان موجود فعلاً، لكن كثيراً من الناس لا يشعرون به لأنه مدمج ضمن نظام تسجيل المركبات، وليس تأميناً اختيارياً بالمعنى التقليدي، فالقانون العراقي أراد أن يحقق معادلة عادلة: حماية المتضرر من الضياع، وضمان تحميل المسؤول الحقيقي نتائج خطئه، وهذه هي فلسفة التعويض في حوادث السير: جبر الضرر، حماية الحق، وتحقيق العدالة.
