
مما لا ريب فيه ان العصر الرقمي الحديث ، أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي جزءًا لا يتجزأ من حياة الشباب ، تؤثر في سلوكهم، وتوجه أفكارهم، وتعيد تشكيل نظرتهم لأنفسهم وللعالم من حولهم. لم تعد الهوية الثقافية للشباب نتاج البيئة المحلية فقط، بل أصبحت مزيجاً من القيم والأفكار والتأثيرات القادمة من مختلف الثقافات عبر الإنترنت فالمنصات الالكترونية الحديثة ، مثل : الفيسبوك، الانستغرام، والتيك توك، وتويتر، لم تعد مجرد أدوات ترفيهية، بل تحول إلى ساحات للتفاعل الثقافي والاجتماعي.
فالهوية الثقافية تُعرَّف بأنها الإطار الذي يُمكّن الفرد من الشعور بالانتماء إلى ثقافة معينة من خلال اللغة، القيم، العادات ، والتقاليد ، ومع ظهور وسائل التواصل الاجتماعي، أصبحت عملية بناء الهوية أكثر تعقيداً ، إذ يتعرض الشباب يومياً لتيارات ثقافية متعددة، مما يؤدي إلى حالة من “الازدواج الثقافي” أو “الهوية الهجنة ” تشير الدراسات الحديثة إلى أن الهوية لم تعد ثابتة، بل هي في حالة إعادة تشكل مستمرة، ووسائل التواصل الاجتماعي تُعدّ أحد أهم المحركات لهذا التحول في العصر الرقمي.
ومن خلال هذه المنصات، يتعرف الشباب على أنماط حياة مختلفة، ويتفاعلون مع ثقافات متنوعة، مما يفتح أمامهم آفاقاً جديدة للفهم والانفتاح. فالشاب الذي كان يكتسب قيمه من بيئته المحلية فقط، بات اليوم يتعرض لمحتوى عالمي يؤثر على طريقة تفكيره، وذوقه الفني، وحتى على لغته اليومية ، هذا التفاعل المستمر مع ثقافات متعددة أدى إلى ما يُعرف بالهوية الهجينة، حيث يدمج الشباب بين عناصر من ثقافتهم الأصلية وأخرى مستعارة من ثقافات عالمية.
لكن هذا الانفتاح الواسع لا يخلو من التحديات ، فبقدر ما تسهم وسائل التواصل في توسيع المدارك ، فإنها قد تؤدي أيضاً إلى الاغتراب الثقافي، حين يشعر الشاب بانتماء أكبر إلى العالم الرقمي مقارنته بواقعه الاجتماعي المحلي وقد تنتج عن ذلك حالات من فقدان التوازن بين الأصالة والمعاصرة، وبين التمسك بالقيم المحلية والتأثر بالقيم الأجنبية، ورغم ذلك، تبقى وسائل التواصل الاجتماعي سلاحاً ذا حدين؛ فهي قادرة على دعم الهوية الثقافية إذا استُخدمت بوعي، من خلال نشر التراث، وإحياء الفنون الشعبية، وتبادل التجارب الإيجابية بين الشعوب ، وفي المقابل، قد تكون أداة لطمس الهوية إن استُخدمت بطريقة غير مسؤولة، أو إن سيطر عليها محتوى سطحي بعيد عن القيم الأصيلة.
إن الحل يكمن في تعزيز الوعي الرقمي لدى الشباب، وفي إدخال التربية الإعلامية ضمن المناهج الدراسية، لتوجيههم نحو الاستخدام البنّاء لهذه المنصات. فالتوازن بين الانفتاح على العالم والحفاظ على الجذور الثقافية يعد الطريق الأمثل لتشكيل هوية متوازنة تجمع بين الأصالة والحداثة ، وفي نهاية المطاف، فإن وسائل التواصل الاجتماعي ليست عدواً للهوية الثقافية، بل وسيلة يمكن توظيفها إيجابياً لصنع هوية أكثر وعياً، قادرة على التفاعل مع العالم دون أن تفقد صلتها بالوطن والانتماء.
