
(اياد هاشم محمد )
إنَّ التدهورَ البيئيَّ والتغيّرَ المناخيَّ من أبرزِ التحدّياتِ التي تواجهُ البشريّةَ، ممّا يتطلّبُ جهودًا بإرادةٍ حقيقيّةٍ وواضحةٍ للعملِ على استدامةِ المواردِ للأجيالِ القادمة، من خلالِ إطلاقِ العديدِ من المبادراتِ والبرامج، ومنها مبادرةُ التعليمِ الأخضرِ، التي تُجسِّدُ رؤيةَ الدولةِ وجهودَها في الحفاظِ على البيئة، حيث تهدفُ إلى تنميةِ وعيِ الأفرادِ بمفهومِ البيئةِ والحفاظِ عليها، وتمكينِهم من اتّخاذِ قراراتٍ مستنيرةٍ، والقيامِ بإجراءاتٍ تُسهمُ في مستقبلٍ أكثرَ استدامةً، باستخدامِ نهجٍ تعليميٍّ يهدفُ إلى تعزيزِ المعرفةِ البيئيّةِ والاستدامةِ، والشعورِ بالمسؤوليّةِ تجاهَ البيئةِ بينَ الطلبة، لكي يتجاوزَ الموادَّ الدراسيّةَ التقليديّةَ لاستحداثِ تجاربَ تعليميّةٍ متعدّدةٍ تؤكِّدُ على الترابطِ بينَ تصرّفاتِ الأفرادِ وحمايةِ البيئة. وبذلك ظهرَ مصطلحُ التعليمِ الأخضرِ، الذي يُعرَّفُ بأنّه التعليمُ من أجلِ التنميةِ المستدامة.
وهو تعليمٌ مدى الحياةِ، يُعِدُّ مواطنينَ يتحمّلونَ مسؤوليّاتهم، ويقومونَ بواجباتِهم نحوَ مجتمعِهم، من خلالِ اكتسابِ ما يلزمُ من معارفَ ومهاراتٍ وتقنيّاتٍ وقيمٍ.
وتُعَدُّ المرحلةُ الإعداديّةُ من أهمِّ المراحلِ الدراسيّةِ التي يمرُّ بها الطلبةُ، لأنّهم يعيشونَ خلالها فترةَ المراهقةِ، وهي مرحلةٌ حرجةٌ في حياتِهم؛ إذ تتميّزُ بعدمِ الاستقرارِ النفسيِّ، ويحتاجونَ فيها إلى الإرشادِ النفسيِّ والتوجيهِ التربويِّ والاجتماعيِّ والمهنيِّ، لما تمليهِ هذه المرحلةُ من تحوّلاتٍ عقليّةٍ ونفسيّةٍ وانفعاليّةٍ واجتماعيّةٍ، بحيث لا يمكنُ فهمُ حاجاتِهم. ويُلاحَظُ عليهم أيضًا في هذه المرحلةِ تردُّدُهم وعدمُ قدرتِهم على اتّخاذِ القرارِ المناسبِ في حياتِهم الدراسيّةِ.
ويتوقّفُ نجاحُ الطالبِ على مدى تقبُّلِه لكلِّ هذه التغيّراتِ، ممّا يؤكِّدُ ضرورةَ وجودِ خدماتٍ إرشاديّةٍ نفسيّةٍ تعملُ على إشباعِ حاجاتٍ أساسيّةٍ في حياتِه الدراسيّةِ والمستقبليّةِ.
ويهتمُّ الإرشادُ النفسيُّ الأخضرُ بالتنميةِ المستدامةِ، والوعيِ بالطبيعةِ والبيئةِ، والمسؤوليّةِ عن النظامِ البيئيِّ، ويتعاملُ أيضًا مع اختيارِ العملِ والوظائفِ الخضراءِ التي تُقلِّلُ من الضررِ البيئيِّ، وتزيدُ الوعيَ بأهميّةِ المهنِ الخضراءِ، ويشجِّعُ الأفرادَ على النظرِ في الآثارِ البيئيّةِ في اختياراتِهم المهنيّةِ، وتحقيقِ التوازنِ بينَ العملِ والجوانبِ الأخرى من حياتِهم، فضلًا عن الحفاظِ على أسلوبِ حياةٍ يعزِّزُ الصحّةَ والأمنَ الاقتصاديَّ والعدالةَ الاجتماعيّةَ.
ويُسهمُ التعليمُ الأخضرُ في تغييرِ سلوكيّاتِ الطلبةِ بشكلٍ إيجابيٍّ نحوَ البيئةِ، وذلك من خلالِ تعليمِهم المسؤوليّةَ البيئيّةَ وأثرَ التغيّراتِ البيئيّةِ في الصحّةِ النفسيّةِ. وتُسهمُ هذه المعرفةُ البيئيّةُ في تحفيزِ الطلبةِ على تبنّي سلوكيّاتٍ إيجابيّةٍ نحوَ البيئةِ، مثلَ تقليلِ استهلاكِ المواردِ وإعادةِ تدويرِ النفاياتِ.
إنَّ دمجَ مفاهيمِ الاستدامةِ في تدريسِ الإرشادِ النفسيِّ له تأثيرٌ إيجابيٌّ في تشكيلِ سلوكيّاتِ الطلبةِ تجاهَ القضايا البيئيّةِ والصحيّةِ، من خلالِ تطبيقِ هذه المبادئِ في الصفوفِ الدراسيّةِ، ويمكنُ للطلبةِ أن يصبحوا مواطنينَ مهتمّينَ بالبيئةِ، وقادرينَ على التأثيرِ في مجتمعِهم بشكلٍ إيجابيٍّ، ممّا يساعدُهم على تطويرِ مهاراتِ التفكيرِ النقديِّ والفهمِ العميقِ لتأثيرِ البيئةِ في السلوكِ الإنسانيِّ.
وبما أنّ المناهجَ هي الوسيلةُ لتحقيقِ الأهدافِ التربويّةِ، والأدواتُ الفعّالةُ في تحقيقِ غاياتِ التعليمِ النظاميِّ في جميعِ المراحلِ الدراسيّةِ، فإنّه يجبُ وضعُ المنهجِ في إطارِ احتياجاتِ المجتمعِ والبيئةِ. وتُعَدُّ مناهجُ الإرشادِ النفسيِّ من أكثرِ المناهجِ الدراسيّةِ ارتباطًا بالتعليمِ الأخضرِ وفلسفةِ المدرسةِ الخضراءِ في استثمارِ المواردِ الطبيعيّةِ، نظرًا لطبيعةِ ما تتضمّنه من مجالاتٍ وموضوعاتٍ متنوّعةٍ تمثّلُ مجالًا خصبًا لتفعيلِ مفاهيمِ التعليمِ الأخضرِ وتنميتِها في أذهانِ الطلبةِ؛ لأنّ طبيعةَ مادّةِ الإرشادِ النفسيِّ من أكثرِ الموادِّ الدراسيّةِ ملاءمةً للتحوّلِ إلى التعليمِ الأخضرِ، وذلك لارتباطِها المباشرِ بالسلوكِ البشريِّ والممارساتِ المختلفةِ في واقعِ الحياةِ اليوميّةِ للطلبةِ وبقيّةِ أفرادِ المجتمعِ، إضافةً إلى الأثرِ النفسيِّ للبيئةِ في الشعورِ بالراحةِ أو عدمِها.
كما أنّ طبيعةَ العصرِ الحاضرِ وما يحتويه من ضغوطٍ ترهقُ نفسيّاتِ الطلبةِ والأفرادِ الآخرينَ، تجعلُهم أكثرَ عرضةً للتوتّرِ والقلقِ وصولًا إلى الاكتئابِ، نظرًا لما يحيطُ بهم من تحدّياتٍ بيئيّةٍ ونفسيّةٍ واجتماعيّةٍ، محليّةٍ كانت أم خارجيّةٍ، والتي قد تنتجُ بشكلٍ أو بآخرَ عن التغيّراتِ المناخيّةِ؛ لذلك يجبُ دمجُ التربيةِ البيئيّةِ في منهجِ الإرشادِ النفسيِّ بما يؤدّي إلى تنميةِ مواقفَ وسلوكيّاتٍ مستدامةٍ بينَ الطلبةِ.
إنّ الدمجَ بينَ التعليمِ الأخضرِ وتدريسِ الإرشادِ النفسيِّ في المدارسِ يُعَدُّ خطوةً مهمّةً وأداةً قويّةً لبناءِ فهمٍ أعمقَ لسلوكِ الطلبةِ تجاهَ البيئةِ، وبناءِ جيلٍ واعٍ بيئيًّا وناضجٍ نفسيًّا؛ لأنّ التعليمَ الأخضرَ، عند دمجِه مع الإرشادِ النفسيِّ، يمكنُ أن يؤثّرَ بشكلٍ إيجابيٍّ في المواقفِ البيئيّةِ والسلوكيّاتِ المستدامةِ لدى الطلبةِ. كما أنّ استخدامَ الأساليبِ الإرشاديّةِ والنفسيّةِ في برامجِ التعليمِ البيئيِّ يُعزِّزُ الدوافعَ الشخصيّةَ لدى الطلبةِ، ويحفّزُهم على تبنّي قراراتٍ أكثرَ استدامةً في حياتِهم اليوميّةِ. ويمكنُ للمدرّسينَ أيضًا أن يُسهموا بشكلٍ فعّالٍ في تطويرِ سلوكيّاتٍ بيئيّةٍ إيجابيّةٍ لدى الطلبةِ، وتعزيزِ فهمِهم العميقِ لمفهومِ الاستدامةِ، وتوجيهِهم إلى اتّخاذِ القراراتِ المسؤولةِ تجاهَ البيئةِ.
إنّ الاهتمامَ بالبيئةِ في المدارسِ، مثلَ استخدامِ النباتاتِ، والتصاميمِ المستدامةِ، والحدائقِ المدرسيّةِ، يُعزِّزُ الوعيَ البيئيَّ، ويشجّعُ الطلبةَ على التعليمِ الأخضرِ من خلالِ زيادةِ الارتباطِ بالطبيعةِ. كما أنّ بيئةَ التعلّمِ التي تحتوي على عناصرَ طبيعيّةٍ تؤثّرُ بشكلٍ إيجابيٍّ في التعلّمِ المستدامِ، وتُعَدُّ من العواملِ المهدِّئةِ التي تُسهمُ في تخفيفِ الضغوطِ النفسيّةِ، وتحسينِ التعلّمِ، وزيادةِ الانتباهِ والتركيزِ لدى الطلبةِ. ولذلكفإنّ الطلبةَ الذينَ يتعلّمونَ في بيئاتٍ مدرسيّةٍ تحتوي على مساحاتٍ خضراءَ يتفاعلونَ بشكلٍ أفضلَ مع الأنشطةِ التعليميّةِ البيئيّةِ، ويكتسبونَ مهاراتِ استدامةٍ أكثرَ فاعليّةً. كما أنّ دمجَ الأنشطةِ البيئيّةِ، مثلَ التعلّمِ في الهواءِ الطلقِ أو الزراعةِ، في المناهجِ المدرسيّةِ يساعدُ على تقليلِ مستوياتِ القلقِ والاضطرابِ والاكتئابِ بينَ الطلبةِ.
وتكمنُ أهميّةُ دمجِ وإدراجِ مفاهيمِ الاستدامةِ والبيئةِ في برامجِ التعليمِ الأخضرِ من خلالِ تصميمِ الأنشطةِ العمليّةِ، وتنظيمِ المشاريعِ البيئيّةِ في المدرسةِ والمجتمعِ المحلّيِّ، والحملاتِ التوعويّةِ، واستخدامِ التكنولوجيا الحديثةِ لتسهيلِ التعلّمِ والتفاعلِ، وتوفيرِ المصادرِ التعليميّةِ المتنوّعةِ لدى التدريسيّينَ، من خلالِ موضوعاتٍ مثلَ تغيّرِ المناخِ وعلاقتِه بالأمراضِ النفسيّةِ، كالقلقِ البيئيِّ والاكتئابِ الموسميِّ، والاهتمامِ بالبيئةِ والحفاظِ عليها في ضوءِ الإرشادِ النفسيِّ والتعليمِ الأخضرِ، وأثرِ ذلك في الصحّةِ النفسيّةِ والشعورِ بالراحةِ (السعادةِ الخضراءِ)، في ظلِّ المسؤوليّةِ البيئيّةِ.
كما يسهمُ ذلك في ربطِ مفاهيمِ الإرشادِ النفسيِّ بالبيئةِ المحيطةِ، والاهتمامِ بالعلاقةِ بينَ السلوكِ الإنسانيِّ وصحّةِ البيئةِ النفسيّةِ، وتنميةِ الوعيِ البيئيِّ من خلالِ رفعِ مستوياتِ وعيِ الطلبةِ بأهميّةِ الحفاظِ على البيئةِ وآثارِ التغيّراتِ المناخيّةِ في الصحّةِ النفسيّةِ، والاهتمامِ بالبحثِ العلميِّ عبرَ تدريبِ الطلبةِ على جمعِ وتحليلِ البياناتِ المتعلّقةِ بالقضايا البيئيّةِ والنفسيّةِ، وتطويرِ مهاراتِ التواصلِ لتمكينِ الطلبةِ من التعبيرِ عن أفكارِهم وحلولِهم بطريقةٍ مقنعةٍ.
وقد أكّدت منظّمةُ اليونيسيف (UNICEF) في عامِ 2021 على ضرورةِ تعزيزِ قدرةِ الأطفالِ والشبابِ على المشاركةِ في جهودِ التخفيفِ من آثارِ تغيّرِ المناخِ والتكيّفِ معه، من خلالِ ترسيخِ التعليمِ في مجالِ تغيّرِ المناخِ والتعليمِ البيئيِّ، والاستثمارِ فيهما، وتزويدِ الأطفالِ والشبابِ بالمعرفةِ والمهاراتِ اللازمةِ لحمايةِ أنفسِهم، والإسهامِ في تحقيقِ مستقبلٍ آمنٍ ومستدامٍ، وضمانِ وصولِ هذه الجهودِ إلى الأطفالِ والشبابِ من خلالِ التنوّرِ البيئيِّ (البيئةِ الخضراءِ).
ويُتوقَّعُ من الإرشادِ النفسيِّ أن يدمجَ موضوعاتِه بأبعادِ التنوّرِ البيئيِّ، مثلَ الإدراكِ البيئيِّ، والتفكيرِ النقديِّ، وحلِّ المشكلاتِ البيئيّةِ، وذلك من خلالِ الأنشطةِ العمليّةِ، كمناقشةِ حالاتٍ دراسيّةٍ واقعيّةٍ، أو إجراءِ تجاربَ ميدانيّةٍ وفقَ مبادئِ التعليمِ الأخضرِ، لأنّ هذا التنوّعَ في التعليمِ يُحفّزُ الطلبةَ على تحليلِ الأزماتِ البيئيّةِ، مثلَ التلوّثِ وتغيّرِ المناخِ، من منظورِ الإرشادِ النفسيِّ، ممّا يعزّزُ إحساسَهم بالبيئةِ والطبيعةِ واهتمامَهم بها.
وأخيرًا، يمكنُ القولُ إنّ الهدفَ النهائيَّ من التعليمِ الأخضرِ هو بناءُ مستقبلٍ أكثرَ استدامةً للحياةِ، من خلالِ تعزيزِ الإشرافِ المسؤولِ على المواردِ الطبيعيّةِ، وتقليلِ الضررِ الذي يلحقُ بالبيئةِ، وهذا يتطلّبُ نهجًا شاملًا يتضمّنُ المعرفةَ العلميّةَ، والاعتباراتِ الأخلاقيّةَ، والحلولَ العمليّةَ للتحدّياتِ البيئيّةِ في العالمِ الواقعيِّ، وهو ما يُسهمُ الإرشادُ النفسيُّ في تحقيقِه، من خلالِ توضيحِ مفهومِ الاستدامةِ وفهمِه، وتدريبِ الطلبةِ على المشاركةِ في أنشطةٍ وممارساتٍ عمليّةٍ تهدفُ إلى تعزيزِ المهاراتِ الحياتيّةِ، التي تؤدّي إلى الاستخدامِ الرشيدِ للمواردِ الطبيعيّةِ، وتوظيفِ التكنولوجيا المتطوّرةِ في خلقِ بيئةٍ محفّزةٍ لبناءِ مهاراتِ الإبداعِ والابتكارِ، والمشاركةِ الاجتماعيّةِ، وتنميةِ الثقافةِ الفكريّةِ، والتواصلِ الفعّالِ بينَ جميعِ عناصرِ العمليّةِ التعليميّةِ، وفقَ معاييرَ صديقةٍ للبيئةِ، تضمنُ تدريسَ موضوعاتِ الإرشادِ النفسيِّ القائمِ على التعليمِ الأخضرِ لتحقيقِ الغاياتِ والأهدافِ المرسومةِ والمخطَّطِ لها في العمليّةِ التعليميّةِ.
