
يَشْهَدُ العالَمُ المُعاصِرُ مُوْجاتٍ مُتَتَالِيَةً مِنَ التَّحولات الاجْتِماعِيّةِ وَالاقْتِصادِيّةِ وَالتِّكْنُولُوجِيّةِ الَّتي أَسْهَمَتْ في ظُهورِ سُلوكِيّاتٍ جَديدةٍ لَمْ تَكُنْ مَأْلُوفَةً في الماضي. وَمَعَ هذَا التَّسارُعِ في أَنْماطِ الحَياةِ، تَبْرُزُ الحاجَةُ المُلِحَّةُ إلى مُواكَبَةِ النِّظامِ القانُونِيِّ لِهذِهِ المُتَغَيِّراتِ مِنْ خِلالِ تَكْييفِ التَّشْريعاتِ القائِمَةِ أَوْ سَنِّ قَوانِينِ حَديثَةٍ تُناسِبُ الواقِعَ الجَديد.
فَإِنَّ غِيابَ هذا التَّكْييفِ يَجْعَلُ القانُونَ عاجِزًا عَنْ ضَبْطِ الواقِعِ الاجْتِماعِيِّ، وَيَخْلُقُ فَجَواتٍ تُؤَدِّي إلى انْتِشارِ سُلوكِيّاتٍ خارِجَةٍ عَنِ النِّظامِ العامِّ، مِنْ هُنا يَتَّضِحُ الدَّوْرُ المِحْوَرِيُّ لِلمُشَرِّعِ في صِياغَةِ مَنْظومَةٍ تَشْريعيَّةٍ قادِرَةٍ عَلى احْتِواءِ التَّطَوُّراتِ وَضَبْطِ السُّلوكِيّاتِ وَتَحْقيقِ التَّوازُنِ بَيْنَ الحُقوقِ وَالواجِباتِ.
أَقول : في البداية لابد لنا ان نسلط الضوء على مَفْهومُ تَكْييفِ القَوانِينِ وَأَهَمِّيَّتُهُ في العَصْرِ الحَديثِ ، فالمقصود بِتَكْييفِ القَوانِينِ عَمَلِيَّةُ تَحْديثِ النُّصوصِ القانُونِيَّةِ وَإِعادَةُ صِياغَتِها أَوْ تَعْديلُها لِتَصْبِحَ قادِرَةً عَلى التَّعامُلِ مَعَ السُّلوكِيّاتِ الجَديدةِ أَوِ المُشْكِلاتِ الَّتي لَمْ تَكُنْ قائِمَةً مِنْ قَبْلُ ، ومن هنا نجد ان أَهَمِّيَّةُ هذِهِ العَمَلِيَّةِ وَتَكْمُنُ في عِدَّةِ نِقاطٍ، مِنْها: سَدُّ الفَراغِ التَّشْريعيِّ الَّذي يَنْشَأُ مَعَ ظُهورِ السُلوكِيّاتٍ المُسْتَجِدَّةٍ في المجتمع ،حِفْظُ النِّظامِ العامِّ وَمَنْعُ انْتِشارِ الظَّواهِرِ السَّلْبِيَّةِ ، تَعْزيزُ سِيادَةِ القانُونِ مِنْ خِلالِ مُواكبَةِ ومزامنة النُّصوصِ لِلْواقِعِ المُتَغَيِّرِ، حِمايَةُ الحُقوقِ الفَرْدِيَّةِ ضِمْنَ الإطارِ الاجْتِماعِيِّ العامِّ ، تَحْقيقُ الأَمْنِ القانُونِيِّ الَّذي يُمْنَحُ مِنْ خِلالِهِ المُواطِنُ وَضوحًا لِما هُوَ مُباحٌ وَما هُوَ مَحْظورٌ .
ومما لاشك فيه ان هذه السُّلوكِيّاتِ المُجْتَمَعِيَّةِ المُسْتَجِدَّةِ لها الكثير من العَوامِلُ المُؤَثِّرَةُ في ظُهورِها ، وعلى راسها :
أ ــ التَّطَوُّرُ التِّكْنُولُوجِيُّ المُتَسارِعُ الذي أَدَّى انْتِشارُ الإِنْتَرْنِتِ وَوَسائِلِ التَّواصُلِ الِاجْتِماعِيِّ وَالتَّقْنِيّاتِ الرَّقْمِيَّةِ إلى ظُهورِ أَنْماطٍ جَديدةٍ مِنَ السُّلوكِ، مِثْل: التَّنَمُّرِ الإِلِكْتُرُونِيِّ، الِابْتِزازِ الرَّقْمِيِّ ، نَشْرِ الأَخْبارِ الزَّائِفَةِ، الِاحْتِيالِ الإِلِكْتُرُونِيِّ،
ب ـــ التَّحَوُّلاتُ الاقْتِصادِيَّةُ ، حيث تَغَيَّرَتْ أَسْواقُ العَمَلِ وَزادتْ طُرُقُ العَمَلِ الحُرِّ، فَظَهَرَتْ نِزاعاتٌ تَحْتاجُ إلى تَشْريعاتٍ أَحْدَثَ.
ج ــ العَولَمَةُ وَالانْفِتاحُ الثَّقافِيُّ ، أَدَّى تَدَفُّقُ المَعْرِفَةِ وَالثَّقافاتِ إلى تَبَنِّي سُلوكِيّاتٍ غَيْرِ محَلِّيَّةٍ تَحْتاجُ إلى ضَبْطٍ قانُونِيٍّ.
د ــ التَّغَيُّراتُ الدِّيموغْرافِيَّةُ ، كازْدِيادُ نِسْبَةِ الشَّبابِ وَالهِجْراتُ أَنْتَجَ سُلوكِيّاتٍ جَديدةً تَتَطَلَّبُ تَعامُلًا خاصًّا ،
ونتيجة لهذه العوامل المؤثرة في السلوكيات كان لازما على المُشَرِّعِ مُتابَعَةِ هذه الظَّواهِرِ الاجْتِماعِيَّةِ وَتَحْليلِها بدقة ، فلَنْ يُوفَّقَ المُشَرِّعُ في تَكْييفِ القَوانِينِ ما لَمْ يَفْهَمْ أَعْماقَ هذه السلوكيات او هذه الظَّواهِرِ الجَديدةِ. وَهذا لا يَتَحَقَّقُ الا مِنْ خِلالِ ، رَصْدِ الظَّواهِرِ عَبْرَ المَرَاكِزِ المُخْتَصَّةِ ، جَمْعِ البَياناتِ وَتَحْليلِها، إِجْراءِ دِراساتٍ مُقارَنَةٍ ، الاسْتِماعِ إلى خُبَراءِ الاجْتِماعِ وَالقانُونِ، تَقْديرِ الأَثَرِ التَّشْريعيِّ قَبْلَ إِصْدارِ أَيِّ قانُونٍ ، ولآجل ان تكون تلك التشريعات فعالة ، لابد لها من ان تكون صِياغَتها مُرِنَةٍ وَقابِلَةٍ لِلتَّحْديثِ وهذا لا يكون الا من خلال صِياغَةِ نُصوصٍ عامَّةٍ تَسْتَوْعِبُ مَعْنى المُخالَفةِ دُونَ تَضْييقٍ، إِمْكانيَّةِ التَّعْديلِ الدَّوْريِّ لها والاسْتِعانَةِ بِقَوانينَ إِطارٍ تُفَصِّلُها لَوائِحُ تَنْفيذِيَّةٌ، اِصْدارِ قَوانِينِ طارِئَةٍ عِنْدَ اللُّزومِ، كَحالاتِ الأَوْبِئَةِ. اضافة الى ما تقدم يجب علينا ان نخلق توازنا بين الضَّابْطِ القانُونِيِّ وَالحُرِّيّاتِ العامَّةِ ، وهذا التوازن المنشود لا يتحقق الا بالاعتماد على مَبْدَأُ التَّناسُبِ بَيْنَ الجُرْمِ وَالعُقوبَةِ، وعَدَمُ التَّمييزِ في تَطْبيقِ القانُونِ بين فئات المجتمع ، كذلك وجود ضَماناتٌ قانُونِيَّةٌ لِحِمايَةِ الحُقوقِ الأَساسِيَّةِ، والمُراجَعةٌ الدَوْرِيَّةٌ لتلك اِلتَّشْريعاتِ.
اقول : ان مُشارَكَةُ المُجْتَمَعِ وَالخُبَراءِ في العَمَلِيَّةِ التَّشْريعيَّةِ تُساهِمُ في رَفْعِ جَوْدَةِ القانُونِ، وهذه الجودة القانونية لا تتحقق الا من خلال : الاستِئْناسِ بِآراءِ الأَكادِيمِيّينَ ،التَّشابُكِ مَعَ مُنَظَّماتِ المُجْتَمَعِ المَدَنِيِّ، رَصْدِ شَكاوى المُواطِنينَ وَمَقْتَرَحاتِهم، إِجْراءِ اسْتِطْلاعاتِ الرَّأْيِ لضمان استمرار جودة هذه القوانين بصورة دائمة، ومن اهم النَماذِجُ الواقِعِيَّةٌ لِتَكْييفِ القَوانِينِ مع مستجدات السلوكيات المجتمعية ،كالجَرائمُ الإِلِكْتُرُونِيَّةُ: التي تتَطَلَّبَ قَوانِينً خاصَّةً تحتويها ، قَوانِينُ الأُسْرَةِ ،حيث تَحَدَّثَتْ هذه القوانين وَتَطَوَّرَتْ بما يضمن مُواكَبَةِ التَّغَيُّراتِ الاجْتِماعِيَّةِ اليوم ، كذلك تَشْريعاتُ حِمايَةِ الطِّفْلِ: نَتِيجَةً لازْدِيادِ حَالاتِ العُنْفِ، قَوانِينُ الصِّحَّةِ العامَّةِ، اذ تَطَوَّرَتْ هذه القوانين بَعْدَ جائِحَةِ كوفيد–19 .
وفي الختام لابد إِنَّ نذكر بأهمية الكبيرة لدَوْرَ المُشَرِّعِ في تَكْييفِ القَوانِينِ لِاحْتِواءِ السُّلوكِيّاتِ المُجْتَمَعِيَّةِ المُسْتَجِدَّةِ هُوَ دَوْرٌ جَوْهَرِيٌّ لِحِفْظِ النِّظامِ وَتَعْزيزِ العَدالَةِ. فَالقانُونُ الَّذي لا يَتَطَوَّرُ يُصْبِحُ غَيْرَ فَعّالٍ، وَيُفْضِي إلى فَجْواتٍ في التَّطْبيقِ. وَمِنْ خِلالِ المَرونَةِ التَّشْريعيَّةِ وَمُتابَعَةِ الظَّواهِرِ وَمُشارَكَةِ المُجْتَمَعِ، يُمْكِنُ بِنَاءُ مَنْظومَةٍ قانُونِيَّةٍ قادِرَةٍ عَلى مُواجَهَةِ تَحَدِّياتِ العَصْرِ.
