
اياد هاشم محمد
ظهر التعليم الأخضر (المباني الخضراء) عام (1992) على إثر أعمال قمة الأرض المنعقدة في البرازيل، وذلك بناءً على تطور مفهوم التنمية المستدامة، باعتبارها مركز التقاء احتياجات الأفراد والمجتمع والبيئة والاقتصاد، من أجل مستقبل بيئي صحي ونظيف وأخضر. وقد أولت هذه المفاهيم مسؤولية كبيرة للجهات المعنية لاعتماد تصاميم حديثة لإنشاء المباني الصديقة للبيئة في الجامعات وكلياتها، وفق معايير التنمية المستدامة.
وتتضمن هذه المعايير اختيار المواقع المناسبة للجامعات وكلياتها، بحيث تكون بعيدة عن مصادر التلوث، مع ضرورة توفر مساحات خضراء وأسوار تحيط بها، تعمل كستارة حامية من الانبعاثات الغازية والملوثات الجوية التي تنتقل بفعل حركة الرياح. كما يشمل ذلك الاهتمام بالقاعات الدراسية ذات الإضاءة الطبيعية الكافية والتهوية الجيدة، وأن تكون الجدران مطلية بطلاء خالٍ من المواد العضوية الضارة. وقد انتشرت الكليات الخضراء في العديد من دول العالم، مثل اليابان وإندونيسيا ودول أمريكا اللاتينية وغيرها.
وينال التعليم الأخضر اهتمامًا دوليًا بارزًا في الآونة الأخيرة، وتعالت الدعوات بضرورة تنمية الوعي البيئي، وترشيد الاستهلاك المتنامي للطاقة، وتجنب الملوثات الصناعية، والعناية بالبيئة وحسن استغلال مواردها، وأهمية تبني الشعار الأخضر والعودة إلى الطبيعة، كالمباني الخضراء والاقتصاد الأخضر، الذي يتطلب معالجة النقص في المهارات من خلال البرامج التعليمية والمقررات الدراسية برؤية جديدة تدفع باتجاه التنمية المستدامة.
ويعبر التعليم الأخضر عن منظور جديد لاستخدام التطبيقات التكنولوجية الحديثة التي تساعد على المحافظة على البيئة، وترشيد الاستهلاك، وتوفير الوقت والجهد للطلبة والأساتذة وأولياء الأمور. لذا يهتم التعليم الأخضر بالبرامج البيئية والبنية التحتية الخضراء، من مبانٍ وتشجير ومصادر طاقة متجددة وخدمات، فضلًا عن استخدام التقنيات والتطبيقات والاستراتيجيات والممارسات التي تهدف إلى تطوير المناهج والمقررات الدراسية واستحداث تخصصات تعزز الثقافة الخضراء.
يُعد التعليم الأخضر أحد الأنواع الحديثة في التعليم، وقد بدأ الاهتمام به والعمل على تحقيق متطلباته في الجامعات، سعيًا إلى تحقيق بيئة تعليمية مستدامة وصديقة للبيئة وخالية من التلوث البيئي، الناتج عن انبعاث الغازات السامة من المنشآت الصناعية وتزايد الدخان المنبعث منها ومن السيارات ووسائل النقل الأخرى. وقد أدى هذا التلوث البيئي إلى انحسار الأراضي الخضراء وإصابة أفراد المجتمع بالعديد من الأمراض الخطيرة، مما تسبب في وفاة أعداد كبيرة من الأفراد والحيوانات.
إن هذا المفهوم الجديد للتعليم، والذي يسمى بالتعليم الأخضر، ظهر نتيجة المشكلات البيئية التي تؤثر في أبناء المجتمع، لذا لا بد أن يكون للجامعات دور كبير في العمل الجاد ووضع الخطط المدروسة للحد من الآثار السلبية التي تحدث في البيئة.
لذا يجب في بداية الأمر العمل على اطلاع أصحاب القرار والمربين وأساتذة الجامعات على هذا النوع من التعليم، وإتقانه، والتعرف على الأهداف المتبعة فيه، وبيان مميزاته وصفاته وإيجابياته في التعليم، واتخاذ الوسائل المناسبة وأساليب الانتقال التدريجي من التعليم التقليدي إلى التعليم الأخضر في الجامعات، من أجل خلق مجتمع جامعي صديق للبيئة.
كذلك يجب أن يقوم المتخصصون بتنمية الوعي بمفاهيم التعليم الأخضر بين صفوف أساتذة الجامعات في البداية، وهم بدورهم يعملون على تنمية هذا الوعي في نفوس أبناء المجتمع بصورة عامة، وفي عقول الطلبة بصورة خاصة. ومن المعروف أن أساتذة الجامعات هم القادة في المجتمع، والرواد في عملية التطور العلمي والتكنولوجي والتنمية والبناء والثقافة العامة والوعي البيئي، لما لهم من تأثير فاعل في المجتمع.
ويهتم أساتذة الجامعات بأهمية توظيف شبكات التواصل الاجتماعي الإلكترونية عبر شبكة الإنترنت، من أجل الإفادة منها في تنمية وتعزيز مختلف الجوانب الإيجابية في شخصيات أبناء المجتمع، وتغيير وتطوير آرائهم وأفكارهم نحو مختلف القضايا المجتمعية، ومنها موضوع الحفاظ على البيئة ومكافحة التلوث البيئي. ويؤكد المتخصصون على الاستخدام الهادف والمخطط لشبكة الإنترنت عامة، وشبكات التواصل الاجتماعي خاصة، من أجل تحقيق أهداف إيجابية مرغوبة يتم تحديدها مسبقًا بدقة، ومنها تنمية الوعي بمفاهيم التعليم الأخضر وأهميته في التقليل من التلوث البيئي، والتعرف على أهدافه ومميزاته.
اقول : يُعد التعليم الأخضر نظامًا يعتمد على التقنيات لترشيد استهلاك الطاقة الناتج عن استخدام أجهزة الحاسوب والإضاءة والتكييف وغيرها، فضلًا عن استخدام التقنيات التعليمية بطريقة سليمة بيئيًا واقتصادية في الجهد والوقت، وكذلك التحول الجذري إلى الخدمات الإلكترونية بغية الاستغناء عن استخدام الورق والكتب الدراسية، وتقليص مراكز التدريب من خلال تفعيل التدريب عن بُعد، والاستفادة الفعالة من تقنيات التعليم الحديثة، مما يحقق الآتي:
· تحسين جودة التعليم وتوسيع مدارك الطلبة، وتعزيز التواصل المباشر والنشط بين الطلبة والأساتذة.
تنمية مهارات الإبداع والاستكشاف لدى الطلبة، والابتعاد عن روتين التعلم التقليدي.
· اطلاع أولياء الأمور بشكل مستمر ودقيق على مستويات أبنائهم.
· تحويل القاعات الدراسية التقليدية إلى عالم افتراضي يحاكي الواقع.
· خلق فضاء تفاعلي بإمكانات مثيرة ومثرية لتفكير الطلبة ومعارفهم، في ظل بيئة صحية وآمنة.
وختاما ً، لا بد من تطبيق التعليم الأخضر في الجامعات لتتمكن من تلبية احتياجاتها من الموارد الطبيعية، مثل الطاقة والمياه والمواد الأولية، دون المساس بقدرات الطلبة، مع تلبية احتياجاتهم المستقبلية. ويتضمن التعليم الأخضر جانبين أساسيين: الأول يركز على الجانب البيئي، والثاني يركز على التنمية المستدامة، ولا يمكن فصل أحدهما عن الآخر، إذ يهدف التعليم الأخضر إلى زيادة الوعي البيئي لدى الطلبة، وتنمية وتحسين مهاراتهم العقلية والاجتماعية، لتوفير بيئة نظيفة وصحية ومستدامة، وتعزيز ممارسة الأنشطة الصديقة للبيئة، كذلك لا بد للجامعات أن تعتمد التعليم الأخضر في إعداد المقررات الدراسية وتدريس الطلبة، كونه أحد التوجهات المستقبلية التي تهدف إلى تحقيق معايير التنمية المستدامة. لذا يجب أن تسعى الجامعات إلى تدريب الطلبة وفق متطلبات هذا التعليم الجديد، ومشاركتهم في الأنشطة والممارسات العملية التي تعزز المهارات الحياتية، وتوجههم نحو الاستخدام الصحيح للموارد، وتوظيف التقنيات الرقمية في توفير بيئة محفزة لبناء مهارات الإبداع والابتكار والمشاركة الاجتماعية، وتنمية الثقافة الفكرية، والتواصل الفعال بين جميع عناصر العملية التعليمية، وفق معايير صديقة للبيئة، لتحقيق الجوانب المعرفية والمهارية والوجدانية في إعداد الطلبة، وجعلهم مواطنين قادرين على مواجهة المشكلات البيئية في المستقبل وإيجاد الحلول المناسبة لها.
