
(ابراهيم طه حمودي)
المقدادُ الخارجةُ مِن تحتِ الرَّماد ( قصَّةُ ضياءً وإنجازٍ بين عثراتِ الماضي ورُقيِّ الحاضرِ والمستقبلِ ) .
ليستْ كلُّ الأبنيةِ جدرانًا تُشادُ، ولا كلُّ المؤسَّساتِ أبوابًا وقاعاتٍ وممرّاتٍ، فبعضُ الصُّروحِ تُبنى بالأملِ حينَ يغيبُ، وتُبعثُ بالحلمِ حينَ يذبلُ، وتنهضُ برجالٍ آمنوا أنَّ الخرابَ ليسَ قدرًا أبديًّا، بل مرحلةٌ عابرةٌ تسبقُ الولادةَ الجديدةَ. وهكذا كانتْ كلِّيَّةُ التَّربيةِ المقداد، الَّتي ظلَّتْ لسنواتٍ طويلةٍ تقفُ على حافَّةِ النِّسيانِ، يُثقِلُها تعبُ الماضي، وتحيطُ بها ظروفٌ جعلتِ الكثيرين يظنُّون أنَّ الزَّمنَ قد كتبَ عليها أن تبقى حبيسةَ الإهمالِ والتَّراجعِ.
كانتِ الكلِّيَّةُ أشبهَ بمدينةٍ تنتظرُ مَن يوقظُ فيها الحياةَ، فقد تراكمتْ عليها العثراتُ، وتعاقبتْ عليها سنواتٌ أثقلتْ كاهلَها بالتَّركِ المقصودِ في بعضِ الجوانبِ، حتَّى بدا المكانُ وكأنَّ الدَّهرَ يأكلُ مِن عمرِهِ يومًا بعدَ آخرَ، مترقِّبًا لحظةَ الانطفاءِ الأخيرةِ. لكنَّ للدَّهرِ أحيانًا وقفةً أمامَ إرادةِ الرِّجالِ، وللأماكنِ المنسيَّةِ موعدًا مع النُّهوضِ حينَ يهبُّ لها مَن يحملُ همَّها بصدقٍ وإخلاصٍ.
ومن قلبِ هذا القضاءِ، بزغَ نجمُ الأستاذِ الدُّكتورِ إيادِ السَّعدي، الرَّجلِ الَّذي آمنَ بأنَّ الكلِّيَّاتِ لا تُبنى بالحجارةِ وحدَها، بل بالعقولِ والإرادةِ والوفاءِ للمكانِ. لم ينظرْ إلى الكلِّيَّةِ على أنَّها مؤسَّسةٌ عابرةٌ، بل رآها رسالةً ومسؤوليَّةً وتاريخًا يستحقُّ أن يُستعادَ. فجاءَ يحملُ بين يديهِ إرادةَ التَّغييرِ، وفي قلبِهِ إيمانٌ بأنَّ الرَّمادَ لا يُخفي الموتَ دائمًا، بل قد يُخفي جمرةً تنتظرُ مَن يبعثُ دفأَها مِن جديدٍ.
لم يكنِ الطَّريقُ معبَّدًا بالسُّهولةِ، فالماضي كانَ مثقلًا بالعقباتِ، والواقعُ مليئًا بالتَّحدِّياتِ، غيرَ أنَّ الدُّكتورَ إيادَ السَّعدي أثبتَ أنَّ القادةَ الحقيقيِّينَ لا يُقاسون بسهولةِ الطَّريقِ، بل بقدرتِهم على تحويلِ الصِّعابِ إلى جسورِ عبورٍ. وهكذا أخذَ على عاتقِهِ مسؤوليَّةَ النُّهوضِ بهذا الصَّرحِ، فبدأتْ ملامحُ التَّغييرِ تظهرُ شيئًا فشيئًا؛ تنظيمٌ يبعثُ الحياةَ في أروقةِ المكانِ، وإعمارٌ يعيدُ للكلِّيَّةِ هيبتَها، وحضورٌ أكاديميٌّ وثقافيٌّ أخذَ يستعيدُ مكانةَ الكلِّيَّةِ بين المؤسَّساتِ العلميَّةِ.
ولأنَّ الإنجازَ الحقيقيَّ لا يصنعُه فردٌ وحدَهُ، فقد التفَّتْ حولَ الدُّكتورِ إيادِ السَّعدي سواعدٌ واعدةٌ ناهضةٌ، آمنتْ بالمشروعِ كما آمنَ هو بهِ، فكانوا شركاءَ في صناعةِ هذا التَّحوُّلِ. امتزجتِ الخبرةُ بالطُّموحِ، والإدارةُ بالإخلاصِ، والعملُ بالإرادةِ، لتتشكَّلَ صورةٌ جديدةٌ لكلِّيَّةٍ قرَّرتْ أن تخرجَ مِن تحتِ رمادِ الماضي إلى فضاءِ الحاضرِ المشرقِ وآفاقِ المستقبلِ الرَّحبةِ.
لقد أصبحتِ الكلِّيَّةُ اليومَ شاهدًا حيًّا على أنَّ المؤسَّساتِ يمكنُ أن تُولَدَ مِن جديدٍ متى ما وجدتْ قيادةً تمتلكُ الرُّؤيةَ، وكانَ الدُّكتورُ إيادُ السَّعدي مثالًا للقائدِ الَّذي حملَ همَّ المكانِ قبلَ أن يحملَ لقبَ الإدارةِ. وما تحقَّقَ فيها لم يكنْ مجرَّدَ أعمالِ إعمارٍ أو تحسيناتٍ ظاهريَّةٍ، بل كانَ إعادةَ بناءٍ لروحِ المكانِ، واستعادةً لثقةِ الطَّلبةِ والأساتذةِ بأنَّ هذا الصَّرحَ قادرٌ على المنافسةِ والعطاءِ.
إنَّ قصَّةَ كلِّيَّةِ التَّربيةِ المقداد ليستْ قصَّةَ بنايةٍ تغيَّرَ شكلُها فحسبُ، بل حكايةُ إرادةٍ انتصرتْ على الإهمالِ، صنعَ ملامحَها الأستاذُ الدُّكتورُ إيادُ السَّعدي بإصرارِهِ ورؤيتِهِ وإيمانِهِ بأنَّ النجاحَ يبدأُ بخطوةِ وفاءِ للمكانِ. وسيبقى اسمُه حاضرًا في ذاكرةِ هذه الكلِّيَّةِ بوصفِهِ أحدَ أبرزِ صنَّاعِ نهضتِها الحديثةِ، الرَّجلِ الَّذي لم يرضَ أن تبقى المقدادُ أسيرةَ الرَّمادِ، فقادَها بثباتٍ نحوَ حاضرٍ يليقُ بها، ومستقبلٍ يفتحُ أبوابَهُ للأملِ والإنجازِ.
